فصل: (الْبَابُ الثَّانِي فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ وَإِصْلَاحِهَا):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.(كِتَابُ التَّحَرِّي):

وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:

.(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ التَّحَرِّي وَبَيَانِ رُكْنِهِ وَشَرْطِهِ وَحُكْمِهِ):

أَمَّا تَفْسِيرُهُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِقَلْبِهِ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ يَقُومُ بِهِ وَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِهِ فَفَقْدُ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ حَالَةُ اشْتِبَاهِ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً حَالَ الِاشْتِبَاهِ وَفَقْدِ الْأَدِلَّةِ لِضَرُورَةِ عَجْزِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَوُقُوعُ الْعَمَلِ صَوَابًا فِي الشَّرْعِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
رَجُلَانِ تَحَرَّيَا فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْأَجْرِ لِأَنَّ الْمُصِيبَ اخْتَصَّ بِصَوَابِ الْإِصَابَةِ كَذَا فِي مَجْمُوعَةِ الْفَتَاوَى.
اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ إنْ شَكَّ فِي الدُّخُولِ يَصْبِرُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بِالدُّخُولِ وَلَا يَتَحَرَّى وَإِنْ شَكَّ فِي الْخُرُوجِ يَنْوِي تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى.
رَجُلٌ صَلَّى بِالتَّحَرِّي إلَى الْجِهَةِ فِي مَفَازَةٍ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ النُّجُومَ فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ قَالَ أُسْتَاذُنَا ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ الْمُعْتَادَةِ نَحْوَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا فَأَمَّا دَقَائِقُ عُلُومِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرُ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْلِ بِهَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
امْرَأَةٌ مَكْفُوفَةٌ لَا تَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهَا إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَمْ تَجِدْ أَحَدًا فَإِنَّهَا تَتَحَرَّى وَتُصَلِّي كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى.
ذَكَرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ مِنْ الْأَصْلِ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ كَمَا يَجُوزُ فِي خَارِجِ الْمِصْرِ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ وَصُورَتُهَا قَوْمٌ مَرْضَى فِي بَيْتٍ بِاللَّيْلِ أَمَّهُمْ وَاحِدٌ وَصَلَّى بَعْضُهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ وَبَعْضُهُمْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَصَابُوا يَعْنِي تَحَرَّوْا فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْأَصِحَّاءِ حَالَةَ الِاشْتِبَاهِ فَمِنْ الْمَرْضَى أَوْلَى وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّ مُحَمَّدًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِجَوَازِ صَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَمَا إذَا كَانَ الْبَيْتُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجَ الْمِصْرِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ ضَيْفًا وَكَانَ لَيْلًا وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَسْأَلُهُ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّي تَطَوُّعًا جَازَ لَهُ التَّحَرِّي.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ مَسْأَلَةَ الضَّيْفِ فَقَالَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ ضَيْفًا فِي بَيْتِ إنْسَانٍ فَنَامَ الْقَوْمُ فَأَرَادَ الضَّيْفُ أَنْ يَتَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ وَكَرِهَ أَنْ يُوقِظَهُمْ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا قَالُوا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي وَبَعْضُهُمْ قَالُوا إنْ كَانَ يُرِيدُ إقَامَةَ الْمَكْتُوبَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ تَهَجُّدَ اللَّيْلِ يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ مَشَايِخِنَا: إنَّ الصَّحِيحَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي فِي الْمِصْرِ لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلَى إصَابَةِ الْجِهَةِ بِالسُّؤَالِ أَوْ يَجِدُ مَنْ يَسْأَلُهُ غَالِبًا وَالْحُكْمُ يَنْبَنِي عَلَى الْغَالِبِ قَالُوا وَمَا ذُكِرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَيْتِ الَّذِي يَكُونُ فِي الرِّبَاطِ وَلَا يَكُونُ ثَمَّةَ سَاكِنُونَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ دَخَلَ فِي مَسْجِدِ قَوْمٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهِ يَجِبُ السُّؤَالُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي وَإِنْ تَحَرَّى لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إذَا أَصَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ فَصَلَّى بِالتَّحَرِّي ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّ لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدِ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: هُوَ كَالْبَيْتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَمَسْجِدِ غَيْرِهِ فِي فَتَاوَى الْحُجَّةِ.
رَجُلَانِ خَرَجَا إلَى الْمَفَازَةِ فَتَحَرَّى كُلُّ وَاحِدٍ وَوَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ صَاحِبِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُمَا فَإِنْ بَدَا لِأَحَدِهِمَا فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إلَى صَاحِبِهِ وَيَقْتَدِيَ إنْ اسْتَقْبَلَ التَّكْبِيرَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَقَدْ مَرَّ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ التَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الثَّانِي فِي التَّحَرِّي فِي الزَّكَاةِ):

وَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَالُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ بَعْدَ مَا تَحَرَّى وَوَقَعَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ أَخْبَرَهُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ أَوْ عَدَّلَ آخَرُ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ رَآهُ فِي زِيِّ الْفُقَرَاءِ أَوْ رَآهُ جَالِسًا فِي صَفِّ الْفُقَرَاءِ أَوْ رَآهُ يَسْأَلُ النَّاسَ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ فَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ غَنِيٌّ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْجَوَابُ كَذَلِكَ إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ غَنِيٌّ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ عِنْدَهُ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وَجَازَتْ الصَّدَقَةُ عِنْدَهُمَا هَلْ يَحِلُّ لِلْقَابِضِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطِيبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَطِيبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَرُدُّهُ إلَى الْمُدَّعِي عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ ثُمَّ الْمُعْطِي هَلْ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ يُثَابُ ثَوَابَ الْمُجَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ وَالْبِرِّ بِهِمْ وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ، وَاسْتَشْهَدَ فِي الْكِتَابِ حُجَّةً لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَقَالَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا يُجْزِئُهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَإِذَا عَلِمَ أَعَادَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّهُ جَعَلَ تِلْكَ الصَّلَاةَ مُجْزِئَةً مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فَاسِدَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ وَقَعَتْ فَاسِدَةً وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا وَقَعَتْ جَائِزَةً فَمَاتَ قَبْلَ الْعِلْمِ لَمْ يُعَاتَبْ، وَالْعِبْرَةُ لِمَا عِنْدَهُ لَا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ اشْتَرَى أَمَةً وَوَطِئَهَا مِرَارًا ثُمَّ اسْتَحَقَّتْ أَنَّ وَطْأَهَا حَلَالٌ لَهُ وَلَا يَسْقُطُ إحْصَانُهُ وَعَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- الْوَطْءُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي التَّحَرِّي فِي الثِّيَابِ وَالْمَسَالِيخِ وَالْأَوَانِي وَالْمَوْتَى):

إذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ ثَوْبَانِ أَوْ ثِيَابٌ وَالْبَعْضُ نَجَسٌ وَالْبَعْضُ طَاهِرٌ فَإِنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ بِالْعَلَامَةِ يُمَيَّزُ وَإِنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بِالْعَلَامَةِ إنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ بِأَنْ لَا يَجِدَ ثَوْبًا طَاهِرًا بِيَقِينٍ وَاحْتَاجَ إلَى الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْ أَحَدَ الثِّيَابِ يَتَحَرَّى وَإِنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ يَتَحَرَّى وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجَسِ أَوْ كَانَا عَلَى السَّوَاءِ لَا يَتَحَرَّى كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَإِذَا وَقَعَ تَحَرِّيهِ فِي الثَّوْبَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ هُوَ الطَّاهِرُ فَصَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ ثُمَّ وَقَعَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الطَّاهِرُ فَصَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّا حِينَ حَكَمْنَا بِجَوَازِ الظُّهْرِ فِيهِ فَإِنَّ الطَّاهِرَ ذَلِكَ الثَّوْبُ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الثَّوْبِ الْآخَرِ فَلَا يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ رَأْيِهِ بَعْدَ مَا جَرَى الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ فَإِنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ هُوَ النَّجِسُ أَعَادَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ تَحَرَّ وَلَكِنَّهُ أَخَذَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَصَلَّى فِيهِ الظُّهْرَ فَهَذَا وَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِالتَّحَرِّي سَوَاءٌ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْفَسَادَ فِيهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الطَّاهِرَ هَذَا الثَّوْبُ وَيُحْكَمُ بِجَوَازِ صَلَاتِهِ إنْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ فَتَحَرَّى وَصَلَّى الظُّهْرَ فِي أَحَدِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ فِي الثَّانِي وَصَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الثَّالِثِ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الْأَوَّلِ فَصَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَائِزَةٌ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَقَدْ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِمَا فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ لِلنَّجَاسَةِ فَلَمْ تَجُزْ الْمَغْرِبُ فِيهِ وَحِينَ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ فَقَدْ صَلَّى وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ فَلَمْ تَجُزْ أَيْضًا لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَلَاةُ الْعِشَاءِ جَائِزَةٌ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَفِي النَّوَادِرِ إذَا كَانَ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ نَجِسًا فَصَلَّى فِي أَحَدِهِمَا الظُّهْرَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ وَصَلَّى فِي الْآخَرُ الْعَصْرَ ثُمَّ وَقَعَ تَحَرِّيه عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ طَاهِرٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَلَاةُ الظُّهْرِ جَائِزَةٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فِي النَّوَادِرِ رَجُلَانِ فِي السَّفَرِ وَمَعَهُمَا ثَوْبَانِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ وَصَلَّى أَحَدَهُمَا فِي الثَّوْبِ بِالتَّحَرِّي وَصَلَّى الْآخَرَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ بِالتَّحَرِّي تَجُوزُ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا وَلَوْ أَمَّ أَحَدُهُمَا وَاقْتَدَى بِهِ الْآخَرُ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ دُونَ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلَانِ تَلَاعَبَا فَسَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا قَطْرَةُ دَمٍ وَجَحَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا جَازَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى ثَلَاثَةُ نَفَرٍ تَلَاعَبُوا فَسَالَ مِنْ أَحَدِهِمْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ فَسَا أَحَدُهُمْ أَوْ ضَرَطَ ثُمَّ جَحَدُوا جَمِيعًا ثُمَّ أَمَّ أَحَدُهُمْ فِي الظُّهْرِ وَالثَّانِي فِي الْعَصْرِ وَالثَّالِثُ فِي الْمَغْرِبِ فَصَلَاةُ الظُّهْرِ جَائِزَةٌ لِلْكُلِّ وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْعَصْرِ لِإِمَامِ الْمَغْرِبِ وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِإِمَامِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَفِي إمَامِ الْمَغْرِبِ رِوَايَتَانِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ تَجُوزُ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَمَعَهُ أَوَانٍ بَعْضُهَا نَجِسٌ وَبَعْضُهَا طَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلطَّاهِرِ يَجُوزُ التَّحَرِّي حَالَةَ الِاخْتِيَارِ وَحَالَةَ الِاضْطِرَارِ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلنَّجِسِ أَوْ كَانَا سَوَاءً إنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ لَا يَتَحَرَّى لَا لِلشُّرْبِ وَلَا لِلْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ يَتَحَرَّى لِلشُّرْبِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَتَحَرَّى لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ يَتَيَمَّمُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ إذَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ النَّجِسِ يُرِيقُ الْكُلَّ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَهَذَا احْتِيَاطٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ إنْ أَرَاقَ فَهُوَ أَحْوَطُ لِيَكُونَ تَيَمُّمُهُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ وَإِنْ لَمْ يُرِقْ أَجْزَأَهُ أَيْضًا وَالطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ يَخْلِطُ الْمَاءَيْنِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَهُوَ أَحْوَطُ لِأَنَّ بِالْإِرَاقَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ مَنْفَعَتُهُ وَبِالْخَلْطِ لَا فَإِنَّ بَعْدَ الْخَلْطِ يَسْقِي دَوَابَّهُ وَيَشْرَبُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَهُوَ أَوْلَى وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ كَانَ يَقُولُ يَتَوَضَّأُ بِالْإِنَاءَيْنِ جَمِيعًا احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِزَوَالِ الْحَدَثِ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَوَضِّئًا بِمَاءٍ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ وَتَتَنَجَّسُ أَعْضَاؤُهُ خُصُوصًا رَأْسُهُ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَسْحِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ وَإِنْ مَسَحَهُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ لَا يَطْهُرُ فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِنْ تَوَضَّأَ بِالْمَاءَيْنِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ إذَا مَسَحَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
إذَا اخْتَلَطَ إنَاؤُهُ بِأَوَانِي أَصْحَابِهِ فِي السَّفَرِ وَهُمْ غُيَّبٌ قَالَ بَعْضُهُمْ يَتَحَرَّى وَيَأْخُذُ آنِيَةً وَيَتَوَضَّأُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ طَعَامٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ غَابَ أَصْحَابُهُ وَاحْتَاجَ الْحَاضِرُ إلَى نَصِيبِهِ فَيَرْفَعُ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَكَذَا رَغِيفُهُ إذَا اخْتَلَطَ بِأَرْغِفَةِ صَاحِبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَتَحَرَّى وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَتَحَرَّى فِي الْأَوَانِي وَالْأَرْغِفَةِ وَلَكِنْ يَتَرَبَّصُ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَجَازَ التَّحَرِّي فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَسَالِيخُ بَعْضُهَا ذَبِيحَةٌ وَبَعْضُهَا مَيِّتَةٌ فَإِنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ بِالْعَلَامَةِ يُمَيِّزُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَيُبَاحُ التَّنَاوُلُ وَإِنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بِالْعَلَامَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ يَعْنِي بِهِ أَنْ لَا يَجِدَ ذَكِيَّةً بِيَقِينٍ وَاضْطُرَّ إلَى الْأَكْلِ يَتَنَاوَلُ بِالتَّحَرِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ كَانَتْ الْحَالَةُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْحَرَامِ أَوْ كَانَا سَوَاءً لَمْ يَجُزْ التَّنَاوُلُ بِالتَّحَرِّي وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْحَلَالِ يَجُوزُ التَّنَاوُلُ بِالتَّحَرِّي كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَمِنْ الْعَلَامَةِ أَنَّ الْمَيْتَةَ إذَا أُلْقِيَتْ فِي الْمَاءِ يَطْفُو الْمَاءُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّمِ فِيهَا، وَالذَّكِيَّةُ يَرْسُبُ وَقَدْ يَعْرِفُ النَّاسُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ النَّسِيسِ وَبِسُرْعَةِ الْفَسَادِ إلَيْهَا وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَنْعَدِمُ إذَا كَانَ الْحَرَامُ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ أَوْ ذَبِيحَةَ مُسْلِمٍ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِنْ كَانَ السَّمْنُ أَوْ الزَّيْتُ غَالِبًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيمَا سِوَى الْأَكْلِ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لَمَّا كَانَتْ لِلْحَلَالِ صَارَ الْمَغْلُوبُ فِيهَا هَالِكًا فَاعْتَبَرْنَا كَوْنَ الْحَرَامِ الْمَغْلُوبِ كَالْهَالِكِ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ إذْ النَّجَاسَةُ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ فِيمَا سِوَى الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْأَرْوَاثِ بِإِلْقَائِهَا فِي الْأَرَاضِي وَبِالتُّرَابِ النَّجِسِ وَاعْتَبَرْنَا قِيَامَ الْحَرَامِ حَقِيقَةً فِي حَقِّ حُرْمَةِ الْأَكْلِ احْتِيَاطًا كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ):

رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُ جَوَارٍ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ثُمَّ نَسِيَهَا لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَتَحَرَّى لِلْوَطْءِ وَكَمَا لَا يَتَحَرَّى لِلْوَطْءِ هَاهُنَا لَا يَتَحَرَّى لِلْبَيْعِ وَلَا يُخَلِّي الْحَاكِمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْمُعْتَقَةُ فَإِنْ بَاعَ ثَلَاثًا مِنْ الْجَوَارِي بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِجَوَازِ بَيْعِهِنَّ وَجَعَلَ الْبَاقِيَةَ هِيَ الْمُعْتَقَةَ ثُمَّ رُجِعَ إلَيْهِ مِمَّا بَاعَ شَيْءٌ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٌ أَوْ مِيرَاثٌ لَمْ يَسَعْ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْعِلْمِ إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَلَا بَأْسَ بِوَطْئِهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً فَالنِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بِالْمِلْكِ هَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ جَارِيَةٌ أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ جَارِيَتَهُ ثُمَّ لَمْ يَعْرِفُوا الْمُعْتَقَةَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا مُعْتَقَتُهُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا وَإِنْ قَرِبَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَرَامًا حَتَّى يَتَيَقَّنَ وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ جَمِيعًا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ الْمُعْتَقَةَ وَلَوْ اشْتَرَاهُنَّ إلَّا وَاحِدَةً حَتَّى يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهُنَّ فَإِنْ وَطِئَهُنَّ ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِيَةَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ شَيْءٍ مِنْهُنَّ وَلَا بَيْعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُعْتَقَةَ مِنْهُنَّ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ أَصْحَابِ الْجَوَارِي كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
لَهُ عَشْرُ خَوَابٍ مِنْ خَلٍّ وَجَدَ فِي إحْدَاهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً وَأَخْرَجَهَا ثُمَّ نَسِيَ تِلْكَ الْخَابِيَةَ فَإِنَّهُ يُرْسِلُ فِيهَا الْهِرَّةَ فَعَلَى أَيَّتِهَا جَلَسَتْ فَهِيَ النَّجِسَةُ وَالْبَوَاقِي طَاهِرَةٌ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ):

وَفِيهِ بَابَانِ:

.الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ الْمَوَاتِ وَبَيَانِ مَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَوَاتِ:

وَفِي بَيَانِ مَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمَوَاتِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ فِيهِ دُونَ الْمِلْكِ وَبَيَانِ حُكْمِهِ أَمَّا تَفْسِيرُهُ فَالْأَرْضُ الْمَوَاتُ هِيَ أَرْضٌ خَارِجُ الْبَلَدِ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَا حَقًّا لَهُ خَاصًّا فَلَا يَكُونُ دَاخِلَ الْبَلَدِ مَوَاتٌ أَصْلًا وَكَذَا مَا كَانَ خَارِجَ الْبَلْدَةِ مِنْ مَرَافِقِهَا مُحْتَطَبًا لِأَهْلِهَا وَمَرْعًى لَهُمْ لَا يَكُونُ مَوَاتًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْإِمَامُ إقْطَاعَهَا وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْمِلْحِ وَالْقَارِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْمُسْلِمُونَ لَا تَكُونُ أَرْضَ مَوَاتٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَهَا لِأَحَدٍ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا مِنْ الْعُمْرَانِ شَرَطَهُ الطَّحَاوِيُّ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى إنَّ بَحْرًا قَرِيبًا مِنْ الْبَلْدَةِ جَزَرَ مَاؤُهُ، أَوْ أَجَمَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ يَكُونُ أَرْضَ مَوَاتٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لَا يَكُونُ وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ الْمَوَاتَ اسْمٌ لِمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَا حَقًّا خَاصًّا لَهُ لَمْ يَكُنْ مُنْتَفَعًا بِهِ فَكَانَ مَوَاتًا بَعِيدًا عَنْ الْبَلْدَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
قَالَ الْقُدُورِيُّ فَمَا كَانَ عَادِيًّا أَيْ قَدَمَ خَرَابُهُ لَا مَالِكَ لَهُ أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فِي الْإِسْلَامِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْقَرْيَةِ بِحَيْثُ إذَا وَقَفَ إنْسَانٌ مِنْ أَقْصَى الْعَامِرِ فَصَاحَ لَمْ يُسْمَعْ الصَّوْتُ فِيهِ فَهُوَ مَوَاتٌ وَقَالَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ وَأَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ عَلَى طَرَفِ عُمْرَانِ الْقَرْيَةِ فَيُنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ صَوْتُهُ يَكُونُ مِنْ فِنَاءِ الْعُمْرَانِ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِرَعْيِ الْمَوَاشِي أَوْ غَيْرِهِ وَمَا وَرَاءُ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْمَوَاتِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ وَالْبُعْدُ عَنْ الْقَرْيَةِ عَلَى مَا قَالَ شَرَطَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُعْتَبَرُ انْقِطَاعُ ارْتِفَاقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَنْهُ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي الْكَافِي.
وَيَمْلِكُ الْإِمَامُ إقْطَاعَ الْمَوَاتِ فَلَوْ أَقَطَعَ الْإِمَامُ إنْسَانًا فَتَرَكَهُ وَلَمْ يُعَمِّرْهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ فَإِذَا مَضَى ثَلَاثُ سِنِينَ فَقَدْ عَادَ مَوَاتًا وَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ غَيْرُهُ وَالْمِلْكُ فِي الْمَوَاتِ يَثْبُتُ بِالْإِحْيَاءِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْإِحْيَاءِ وَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا يَمْلِكُ الْمُسْلِمُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَمْلِكُهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ صَاحِبَاهُ يَمْلِكُهَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ فِي وِلَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
فِي آخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَلَوْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ وَزَرَعَهَا غَيْرُهُ قِيلَ الثَّانِي أَحَقُّ بِهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْإِحْيَاءِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّرْكِ وَإِنْ حَجَّرَ الْأَرْضَ لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ جَعْلُهَا صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ وَالتَّحْجِيرُ بِوَضْعِ عَلَامَةٍ مِنْ حَجَرٍ أَوْ بِحَصَادِ مَا فِيهَا مِنْ الْحَشِيشِ وَالشَّوْكِ وَتَنْقِيَةِ عُشْبِهَا وَجَعْلِهِ حَوْلَهَا أَوْ بِإِحْرَاقِ مَا فِيهَا مِنْ الشَّوْكِ وَغَيْرِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ لَكِنَّهُ هُوَ أَوْلَى بِهَا فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ حَتَّى تَمْضِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَهَذَا مِنْ طَرِيقِ الدِّيَانَةِ وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّهَا مَلَكَهَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَمَنْ تَحَجَّرَ عَلَى أَرْضٍ مَوَاتٍ شِبْهَ الْمَنَارَةِ فَقَدْ أَحْيَاهَا لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَلَوْ حَوَّطَهَا وَسَنَّمَهَا بِحَيْثُ يَعْصِمُ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَكُونُ إحْيَاءً كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَتَفْسِيرُ الْإِحْيَاءِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا أَوْ يَغْرِسَ فِيهَا أَوْ يَكْرُبَهَا أَوْ يَسْقِيهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَأَرَاضِي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَخُوَارِزْمَ لَيْسَتْ بِمَوَاتٍ لِدُخُولِهَا فِي الْقِسْمَةِ وَتُصْرَفُ إلَى أَقْصَى مَالِكٍ أَوْ بَائِعٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ وَرَثَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَحِينَئِذٍ التَّصَرُّفُ إلَى الْحَاكِمِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَالْأَرَاضِي الْمَمْلُوكَةُ إذَا انْقَرَضَ أَهْلُهَا فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ وَقِيلَ كَالْمَوَاتِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ بَنَى فِيهَا بِنَاءً أَوْ زَرَعَ زَرْعًا أَوْ جَعَلَ لِلْأَرْضِ مُسَنَّاةً وَنَحْوَ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ يَكُونُ إحْيَاءً لَهَا وَلِمَا بَقِيَ وَإِنْ عَمَّرَ نِصْفَهَا لَهُ مَا عَمَّرَ دُونَ مَا بَقِيَ فَقَدْ اُعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ هَكَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَانَ الْمَوَاتُ فِي وَسَطِ مَا يُحْيِي يَكُونُ إحْيَاءً لِلْكُلِّ وَإِنْ كَانَ الْمَوَاتُ فِي نَاحِيَةٍ لَا يَكُونُ إحْيَاءً لِمَا بَقِيَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَسَاقَ إلَيْهَا مَاءً فَقَدْ أَحْيَاهَا زَرَعَ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ وَلَوْ حَفَرَ فِيهَا أَنْهَارًا لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً إلَّا أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا الْمَاءُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ إحْيَاءً وَإِنْ أَحْرَقَ فِيهَا حَشِيشًا فَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ كَانَ أَجَمَةٌ أَوْ غَيْضَةٌ فَقَطَعَ قَصَبَهَا أَوْ أَشْجَارَهَا فَسَوَّاهَا فَهُوَ إحْيَاءٌ كَذَا فِي الْغِيَاثِيَّةِ.
وَكَّلَ رَجُلًا بِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَهُ فَأَحْيَاهُ فَهُوَ لِلْمُوَكَّلِ إنْ أَذِنَ الْإِمَامُ لَهُ فِي الْإِحْيَاءِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرُ عِنْدَنَا كَذَا فِي الْكَنْزِ.
وَمَا تَرَكَ الْفُرَاتَ أَوْ الدِّجْلَةَ فَعَدَّلَ عَنْهُ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى كَوْنِهِ نَهْرًا وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَهُوَ الْمَوَاتُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
أَرْضٌ غَرِقَتْ وَصَارَتْ بَحْرًا ثُمَّ نَضَبَ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ خَرِبَتْ بِوَجْهٍ آخَرَ ثُمَّ جَاءَ إنْسَانٌ وَعَمَّرَهَا قِيلَ هِيَ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ وَقِيلَ لِمَنْ أَحْيَاهَا كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
إمَامٌ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُعَمِّرَ أَرْضًا مَيْتَةً عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا وَلَا يَكُونُ الْمِلْكُ لَهُ فَأَحْيَاهَا لَمْ يَمْلِكْهَا لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ عِنْدَهُ لَا يَمْلِكُ الْأَرْضَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ بِالتَّمَلُّكِ لَا يَمْلِكُهُ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
رَجُلٌ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ جَاءَ إنْسَانٌ وَأَحْيَا أَرَاضِي حَوْلَهَا حَتَّى أَحَاطَ الْإِحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَى أَرْضِهِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي أَحْيَاهَا آخَرُ فَإِنْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ وَأَحْيَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَانِبًا حَتَّى أَحَاطَ إحْيَاؤُهُمْ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَطَرَّقَ إلَى أَرْضِهِ مِنْ أَيِّ أَرْضٍ شَاءَ إذَا أَحْيَوْا جَوَانِبَهَا مَعًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَوَاتِ وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ ذِرَاعٌ ثُمَّ حَفَرَهُ آخَرُ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَرَكَهُ وَقُدِّرَ بِشَهْرٍ وَلَوْ حَفَرَهُ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ فَهُوَ تَحْجِيرٌ وَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ كَذَا فِي الْغِيَاثِيَّةِ.
وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ مِثْلُ دِجْلَةَ عَلَيْهِ مُحْتَطَبٌ وَمَرْعَاةٌ فَهُوَ لِمَنْ أَحْيَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِنَاءَ قَرْيَةٍ فَسَدَ فِنَاءَهُمْ فَيُمْنَعُ وَلِلْوَالِي أَنْ يَقْطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْجَادَّةِ إنْ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ قَالَ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ وَلِمَنْ وَلَّاهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي أَسْفَلِ جَبَلٍ مَلَكَهُ إلَى أَعْلَاهُ كَذَا فِي الْغِيَاثِيَّةِ.
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ أَرْضِ الْمَوَاتِ فَلَهُ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا حُكْمُ الْحَرِيمِ وَالثَّانِي حُكْمُ الْوَظِيفَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي أَصْلِ الْحَرِيمِ وَالثَّانِي فِي قَدْرِهِ أَمَّا أَصْلُهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ يَكُونُ لَهَا حَرِيمٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَكَذَا الْعَيْنُ لَهَا حَرِيمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَحَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
ثُمَّ قِيلَ هُوَ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَالذِّرَاعُ هُوَ الْمُكَسِّرَةُ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَكَانَ ذِرَاعُ الْمِلْكِ سَبْعَ قَبَضَاتٍ فَكُسِرَ مِنْهُ قَبْضَةٌ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
قِيلَ الْأَرْبَعُونَ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَأَمَّا حَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ فَسِتُّونَ ذِرَاعًا فِي قَوْلِهِمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا أَعْرِفُ إلَّا أَنَّهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَبِهِ يُفْتَى ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي قَضَاءِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَنْ أَحْيَا نَهْرًا فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا وَعِنْدَهُمَا يَسْتَحِقُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ لَهُ حَرِيمًا بِالْإِجْمَاعِ وَذُكِرَ فِي النَّوَازِلِ وَحَرِيمُ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ نِصْفُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِقْدَارُ عَرْضِ النَّهْرِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي حُكْمُ الْوَظِيفَةِ فَإِنْ أَحْيَاهَا مُسْلِمٌ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْعُشْرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ وَإِنْ أَحْيَاهَا مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْعُشْرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ وَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَإِنْ أَحْيَاهَا ذِمِّيٌّ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ كَيْفَ مَا كَانَتْ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ كِتَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّوَادِرِ حَرِيمُ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَبْلُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْحَرِيمُ بِقَدْرِ الْحَبْلِ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْبِئْرِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِذَا احْتَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي مَفَازَةٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ وَاحْتَفَرَ فِي حَرِيمِهَا بِئْرًا كَانَ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَسُدَّ مَا احْتَفَرَهُ الثَّانِي وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى أَوْ زَرَعَ أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ شَيْئًا لِلْأَوَّلِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمِلْكِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَمَا عَطِبَ فِي بِئْرِ الْأَوَّلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي حَفْرِهِ وَمَا عَطِبَ فِي بِئْرِ الثَّانِي فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسَبُّبِهِ وَلَوْ أَنَّ الثَّانِيَ حَفَرَ بِئْرًا بِأَمْرِ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ حَرِيمِ الْأَوَّلِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهُ فَذَهَبَ مَاءُ بِئْرِ الْأَوَّلِ وَعَرَفَ أَنَّ ذَهَابَ ذَلِكَ مِنْ حَفْرِ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
مَنْ أَخْرَجَ قَنَاةً فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ اسْتَحَقَّ الْحَرِيمَ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ بِأَيِّ قَدْرٍ يَسْتَحِقُّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ الْقَنَاةُ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فَلَهَا مِنْ الْحَرِيمِ مَا لِلْبِئْرِ ذَكَرَ هَذَا الْقَدْرَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا زَادُوا عَلَى هَذَا فَقَالُوا الْقَنَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَظْهَرُ الْمَاءُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ الْفَوَّارَةِ فَيَكُونُ لَهَا مِنْ الْحَرِيمِ حِينَئِذٍ مِثْلُ مَا لِلْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَقَعُ الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الْقَنَاةُ بِمَنْزِلَةِ النَّهْرِ إلَّا أَنَّهُ يَجْرِي تَحْتَ الْأَرْضِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
ثُمَّ اسْتِحْقَاقُ الْحَرِيمِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرَاضِي فِيمَا لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ فَأَمَّا فِيمَا هُوَ حَقُّ الْغَيْرِ فَلَا حَتَّى لَوْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا وَجَاءَ أَحَدٌ وَحَفَرَ بِئْرًا عَلَى مُنْتَهَى حَدِّ حَرِيمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَرِيمَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي هُوَ حَرِيمُ صَاحِبِ الْبِئْرِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ مِمَّا لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
قَنَاةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحْيَا أَحَدُهُمَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهَا مِنْ الْقَنَاةِ أَوْ يَجْعَلَ شِرْبَهَا مِنْهَا لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَفْضِلَ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْأَرْضِ شِرْبٌ مِنْ هَذِهِ الْقَنَاةِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَفْضِلَ عَلَى شَرِيكِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
مَنْ غَرَسَ شَجَرَةً بِإِذْنِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْكُلِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ عِنْدَهُمَا هَلْ يَسْتَحِقُّ لَهَا حَرِيمًا حَتَّى لَوْ جَاءَ آخَرُ وَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ بِجَنْبِ شَجَرَتِهِ شَجَرًا هَلْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْفَصْلَ فِي الْكِتَابِ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا يَسْتَحِقُّ مِقْدَارَ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا حَفَرَ رَجُلَانِ بِنَفَقَتِهِمَا بِئْرًا فِي أَرْضِ الْمَوَاتِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبِئْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْحَرِيمُ لِلْآخَرِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا اصْطَلَحَا عَلَى خِلَافِ مُوجَبِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْحَرِيمَ تَبَعًا لِلْبِئْرِ لِيُمْكِنَ لِصَاحِبِهِ الِانْتِفَاعُ بِالْبِئْرِ فَكَانَ الْحَرِيمُ لِمَالِكِ الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ لِوَاحِدٍ كَانَ الْحَرِيمُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ بَيْنَهُمَا كَانَ الْحَرِيمُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْحَرِيمُ وَالْبِئْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ بِنِصْفِ الْفَضْلِ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إحْرَازٍ مُبَاحٍ لِيَكُونَ الْمُبَاحُ بَيْنَهُمَا شَرِكَةً وَالشَّرِكَةُ فِي إحْرَازِ الْمُبَاحِ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ فَإِذَا شَرَطَ زِيَادَةَ النَّفَقَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ وَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
إذَا شَرَطُوا أَنْ يَحْفِرُوا نَهْرًا وَيُحْيُوا أَرْضًا وَالنَّهْرُ لِوَاحِدٍ وَالْأَرْضُ لِآخَرَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَكُونَا بَيْنَهُمَا وَإِذَا كَانَا بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْقِيَ أَرْضًا لَهُ خَاصَّةً وَإِنْ شَرَطُوا عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ النَّفَقَةِ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ وَيَرْجِعُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
نَهْرَانِ لِقَرْيَتَيْنِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي حَرِيمِهِمَا فَمَا كَانَ مَشْغُولًا بِتُرَابِ أَحَدِ النَّهْرَيْنِ فَهُوَ فِي أَيْدِي أَهْلِ ذَلِكَ النَّهْرِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ لَهُمْ وَلَا يُصَدَّقُ الْآخَرُونَ عَلَى دَعْوَاهُمْ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَمَا كَانَ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ مِنْ مَوْضِعٍ فَارِغٍ لَمْ يُشْغَلْ بِتُرَابِ أَحَدِهِمَا وَلَا تَنَازُعَ فِيهِ لِأَهْلِ الْقَرْيَتَيْنِ فَهُوَ بَيْنَ أَهْلِ الْقَرْيَتَيْنِ نِصْفَانِ إلَّا أَنْ تَقُومَ لِإِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ بَيِّنَةٌ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ خَاصَّةً وَقَدْ مَرَّ نَحْوُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ كَذَا فِي الْكُبْرَى.
مَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مُسَنَّاةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ.
مَنْ بَنَى قَصْرًا فِي مَفَازَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ لِذَلِكَ حَرِيمًا وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْقَصْرِ بِدُونِ الْحَرِيمِ وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْبِئْرِ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَيْهِ دُونَ حَاجَةِ صَاحِبِ الْبِئْرِ إلَى الْحَرِيمِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَالتَّبْيِينِ.
بِئْرٌ لِرَجُلٍ فِي دَارِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ حَقُّ إلْقَاءِ الطِّينِ فِي دَارِهِ إذَا حَفَرَ الْبِئْرَ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ أَوْ فِي مَحَلَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَفِيهِ نَفْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَهُ ذَلِكَ كَذَا قَالَ هَاهُنَا وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ فِي الْمَسْجِدِ بِئْرٌ وَمَنْ حَفَرَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا حَفَرَ وَالْفَتْوَى عَلَى الْمَذْكُورِ هُنَاكَ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(الْبَابُ الثَّانِي فِي كَرْيِ الْأَنْهَارِ وَإِصْلَاحِهَا):

وَالْأَنْهَارُ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مَا يَكُونُ كَرْيُهُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ كَرْيُهُ عَلَى أَصْحَابِ النَّهْرِ فَإِذَا امْتَنَعُوا يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ كَرْيُهُ عَلَى أَصْحَابِ النَّهْرِ فَإِذَا امْتَنَعُوا لَا يُجْبَرُونَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ النَّهْرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمَقَاسِمِ كَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَجَيْحُونَ وَسَيْحُونُ وَالنِّيلِ وَهُوَ نَهْرٌ فِي الرُّومِ إذَا احْتَاجَ إلَى الْكَرْيِ وَإِصْلَاحِ شَطِّهِ يَكُونُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ يُجْبِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كَرْيِهِ وَيُخْرِجُهُمْ لِأَجْلِهِ فَإِنْ أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكْرِيَ مِنْهَا نَهْرًا لِأَرْضِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ فَإِنْ أَضَرَّ بِالْعَامَّةِ بِأَنْ يَنْكَسِرَ شَطُّ النَّهْرِ أَوْ يُخَافَ مِنْهُ الْغَرَقُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ كَرْيُهُ وَإِصْلَاحُهُ عَلَى أَهْلِ النَّهْرِ فَإِنْ امْتَنَعُوا أَجْبَرَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْأَنْهَارُ الْعِظَامُ الَّتِي دَخَلَتْ فِي الْمَقَاسِمِ.
عَلَيْهِ قُرًى وَاحْتَاجَ إلَى الْكَرْيِ وَالْإِصْلَاحِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ النَّهْرِ فَإِذَا امْتَنَعُوا أَجْبَرَهُمْ لِأَنَّ فَسَادَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْعَامَّةِ وَفِيهِ تَقْلِيلُ الْمَاءِ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ وَعَسَى يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى عِزَّةِ الطَّعَامِ فَإِذَا كَانَ مَنْفَعَةُ الْمَاءِ تَعُودُ إلَيْهِمْ وَضَرَرُ تَرْكِ الْكَرْيِ يَرْجِعُ إلَى الْعَامَّةِ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْكَرْيِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرِيَ مِنْ هَذَا النَّهْرِ نَهْرًا لِأَرْضِهِ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِ النَّهْرِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَذَا الْمَاءِ الشُّفْعَةَ.
وَأَمَّا النَّهْرُ الَّذِي يَكُونُ كَرْيُهُ عَلَى أَهْلِ النَّهْرِ وَإِذَا امْتَنَعُوا لَا يُجْبَرُونَ فَهُوَ النَّهْرُ الْخَاصُّ وَتَكَلَّمُوا فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ النَّهْرُ لِعَشَرَةٍ فَمَا دُونَهَا أَوْ عَلَيْهِ قَرْيَةٌ وَاحِدَةٌ يُقَسَّمُ مَاؤُهُ فِيهَا فَهُوَ نَهْرٌ خَاصٌّ يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ لِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ فَهُوَ نَهْرٌ خَاصٌّ وَإِنْ كَانَ لِأَرْبَعِينَ فَهُوَ عَامٌّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ لِمَا دُونَ الْمِائَةِ فَهُوَ خَاصٌّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ لِمَا دُونَ الْأَلْفِ فَهُوَ خَاصٌّ وَأَصَحُّ مَا قِيلَ إنَّهُ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى يَخْتَارَ أَيَّ الْأَقَاوِيلِ شَاءَ.
ثُمَّ فِي النَّهْرِ الْخَاصِّ لَوْ أَرَادَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْكَرْيَ وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلْخِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ وَلَوْ حَفَرَهُ الَّذِينَ طَلَبُوا الْحَفْرَ كَانُوا مُتَطَوِّعِينَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي النَّفَقَاتِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ الَّذِينَ طَلَبُوا الْكَرْيَ بِالْكَرْيِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ مَنْعُ الْآخَرِينَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ حِصَصَهُمْ مِنْ مُؤْنَةِ الْكَرْيِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ أَرَادَ كُلُّهُمْ تَرْكَ الْكَرْيِ فِي ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُجْبِرُهُمْ الْإِمَامُ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى كَرْيِ النَّهْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْبِدَايَةُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَعْلَاهُ.
فَإِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ رَفَعَ عَنْهُ مُؤْنَةَ الْكَرْيِ وَكَانَ عَلَى مَنْ بَقِيَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- يَكُونُ الْكَرْيُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشُّرْبِ وَالْأَرَاضِي وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ مِنْ الْكَرْيِ شَيْءٌ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْصَوْنَ وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخَذُوا فِي الْفَتْوَى كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي النَّهْرِ إذَا كَانُوا عَشَرَةً فَمُؤْنَةُ الْكَرْيِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ الْمُؤْنَةِ إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضَ أَحَدِهِمْ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ عَلَى الْبَاقِينَ أَتْسَاعًا إلَى أَنْ يُجَاوِزَ أَرْضًا أُخْرَى ثُمَّ يَكُونُ عَلَى الْبَاقِينَ أَثْمَانًا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ إلَى آخِرِ النَّهْرِ وَعِنْدَهُمَا الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمْ أَعْشَارًا مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ إلَى آخِرِهِ كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِنْ كَانَتْ فُوَّهَةُ النَّهْرِ لِأَرْضِهِ فِي وَسَطِ أَرْضِهِ فَكَرَى إلَى فُوَّهَةِ النَّهْرِ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْكَرْيُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْضَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَمَتَى جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ لِيَسْقِيَ أَرْضَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَفْتَحُ حَتَّى يَفْرُغَ الْكُلُّ لِأَنَّهُ لَوْ فَتَحَ قَبْلَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ قَبْلَ الشُّرَكَاءِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ يَبْدَأُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَسْفَلِ النَّهْرِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْخَاصُّ بَيْنَ قَوْمٍ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ إذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إصْلَاحِهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَإِصْلَاحُ أَوَّلِهِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا بَلَغُوا دَارَ رَجُلٍ مِنْهُمْ هَلْ يُرْفَعُ عَنْهُ مُؤْنَةُ الْإِصْلَاحِ لَا رِوَايَةَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ حَاكِيًا عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ رَأَيْتُ فِي كُتُبِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا عَلَيْهِ قُرًى يَشْرَبُونَ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى بِالْفَارِسِيَّةِ (كَامٍ) فَاتَّفَقُوا عَلَى كَرْيِ هَذَا النَّهْرِ فَبَلَغُوا فُوَّهَةَ نَهْرِ قَرْيَةٍ هَلْ يُرْفَعُ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ فَلَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَصْلِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّوَادِرِ وَأَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَى قِيَاسِ النَّهْرِ الْخَاصِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُرْفَعَ عَنْهُمْ مُؤْنَةُ الْكَرْيِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْكَرْي أَرَاضِيَ قَرْيَتِهِمْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.